ابن كثير

228

البداية والنهاية

بعد ليلتين أو ثلاث ، وتعرضوا عن ذلك بحواصل قوصون ، واستمر الفخري بمن معه ومن أضيف إليه من الأمراء والأجناد مقيمين بثنية العقاب ، واستخدم من رجال البقاع جماعة كثيرة أكثر من ألف رام ، وأميرهم يحفظ أفواه الطرق ، وأزف قدوم الأمير علاء الدين طنبغا بمن معه من عساكر دمشق ، وجمهور الحلبيين وطائفة الطرابلسيين ، وتأهب هؤلاء لهم . فلما كان الحادي من الشهر اشتهر أن الطنبغا وصل إلى القسطل وبعث طلائعه فالتقت بطلائع الفخري ، ولم يكن بينهم قتال ولله الحمد والمنة وأرسل الفخري إلى القضاة ونوابهم وجماعة من الفقهاء فخرجوا ورجع الشافعي من أثناء الطريق ، فلما وصلوا أمرهم بالسعي بينه وبين الطنبغا في الصلح ، وأن يوافق الفخري في أمره ، وأن يبايع الناصر بن الناصر ، فأبى فردهم إليه غير مرة ، وكل ذلك يمتنع ؟ عليهم ، فلما كان يوم الاثنين رابع عشره عند العصر جاء بريد إلى متولي البلد عند العصر من جهة الفخري يأمره بغلق أبواب البلد ، فغلقت الأبواب ، وذلك لان العساكر توجهوا وتوافقوا للقتال ، فإنا لله وإنا إليه راجعون . وذلك أن الطنبغا لما علم أن جماعة قطلوبغا على ثنية العقاب دار الذروة من ناحية المعيصرة ، وجاء بالجيوش من هناك ، فاستدار له الأمير سيف الدين قطلوبغا الفخري بجماعته إلى ناحيته ، ووقف له في طريقه ، وحال بينه وبين الوصول إلى البلد ، وانزعج الناس انزعاجا عظيما ، وغلقت القياسرة والأسواق وخاف الناس بعضهم من بعض أن يكون نهب ، فركب متولي البلد الأمير ناصر الدين بن بكباشي ومعه أولاده ونوابه والرجالة ، فسار في البلد وسكن الناس ودعوا له ، فلما كان قريب المغرب فتح لهم باب الجابية ليدخل من هو من أهل البلد ، فجرت في الباب على ما قيل زحمة عظيمة ، وتسخط الجند على الناس في هذه الليلة ، واتفق أنها ليلة الميلاد ، وبات المسلمون مهمومون بسبب العسكر واختلافهم فأصبحت أبواب البلد مغلقة في يوم الثلاثاء سوى باب الجابية ، والامر على ما هو عليه ، فلما كان عشية هذا اليوم تقارب الجيشان واجتمع الطنبغا وأمراؤه ، واتفق أمراء دمشق وجمهورهم الذين هم معه على أن لا يقاتلوا مسلما ولا يسلوا في وجه الفخري وأصحابه سيفا ، وكان قضاة الشام قد ذهبوا إليه مرارا للصلح ، فيأبى عليهم إلا الاستمرار على ما هو عليه ، وقويت نفسه عليه انتهى . والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب . عجيبة من عجائب الدهر فبات الناس متقابلين في هذه الليلة وليس بين الجيشين إلا مقدار ميلين أو ثلاثة ، وكانت ليلة مطيرة ، فما أصبح الصبح إلا وقد ذهب من جماعة الطنبغا إلى الفخري خلق كثير من أجناد الحلفاء ومن الأمراء والأعيان ، وطلعت الشمس وارتفعت قليلا فنفذ الطنبغا القضاة وبعض الأمراء إلى الفخري يتهدده ويتوعده نفسه عليه . فما ساروا عنه قليلا إلا ساقت العساكر من الميمنة والميسرة من القلب ، ومن كل جانب مقفرين إلى الفخري ، وذلك لما هم فيه من ضيق